logo
وحيداً ألعن أغنياتي !
search
top

حياتي وثلاث ثكنات وجرح واحد ونهاية مجيدة !

أنا سأروي سيرتي الذاتية بصدق لذلك فإني غير مسؤول عن نوبات البكاء والضحك التي ستنتاب الحضور هذه الليلة يا جون ، قالها وهو يضحك كالعادة ، دون أن يبالي برد صديقه الروسي تناول معطفه الفرو وذهب بعيداً فالطقس هذه الأيام بارد جداً والصقيع يصل إلى عظامه ، ورغم حياته النجدية القح إلا أنه تعود على الثلج بسهولة وكأنه يريد أن ينسى حياته القديمة بسرعة ، حتى أنه فكر أن يغير اسمه ، لكنه يتراجع في كل مرة حينما يأخذه الحنين إلى والديه وأشياء مقدسة صغيرة يحتفظ بها في ذاكرته !

في الحانة القديمة التي تعود الأصدقاء فيها على الالتقاء ، وتبادل النكات ، والجروح والآلام أو الآمال لا يهم المهم أن ثرثرتهم تشعرهم بالدفء ، كان غسان هذه الليلة مميزاً متأنقاً يضع ربطة عنق غالية الثمن وكأنه ذاهب إلى قبره ، والأصدقاء متحفزون لسماع حكايته لأنهم يعرفون بأن صديقهم هذا إذا استرسل في الحديث فإنه إما أن يسافر بهم إلى الجنة أو يخلق لهم حلمًا جميلًا ، حديثه الودود ولهجته المتباطئة ، ولسانه المرتبك يجعل لمخارج الأحرف طعماً آخر ، !

تناول كأس الماء وأخذ المقعد الذي يجعل الجميع متحلقين من حوله ، ثم قبض قبضة من صدره وبدأ ألمه في الحديث :

لم يكن يوم ولادتي مجيداً كنت يوماً أسودًا على أمي وأمتي ، ماتت هي أو أنا قتلتها وأصابت الأمة النكسة وصار يوم ميلادي أكبر ذكرى سيئة تمر على الناس أجمعين في الوقت الذي يحيي الناس خسارتهم بالهتافات العريضة يجب عليّ أن أحتفل باليوم الأسود وحيداً ، تستطيعون الآن معرفة السر الذي يجعلني منطوياً وأنتم في الساحة يا أصدقاء تحملون أعلام النصر وترددون عبارات الشهادة وأنا وحيد منطو في عزلة أشعل شمعة الاحتفال وأحرقها بالحزن، لم يكن هذا اليوم سوى فراغ كبير في حياة بائسة حاولت الشجرة الطيبة أن تجعل مني ثمرة فستق سعيدة لكنها لم تستطع وفضلت الموت واقفة على أن تواصل المسير ، الست سنوات الأولى من حياتي وقبل دخولي المدرسة كنت تائهاً بين الشارع وبين والد ضرير ، وكانت ليبيا دولة حرب وجوع ، حتى أني أذكر بأن كل دعاء والدي ينصب على الطعام والماء ، ولم يدع في يوم من الأيام بأن يرزقني الله حذاءين أنتعل بها حتى أتقي عداوة الشوك ومسامير الطريق ، وكان صديقي الوحيد في تلك الأيام عمود كهرباء يشبه والدي تماماً لأنه لم يكن يشعل نوره سوى في النهار ، حتى عرفت السر الكبير الذي يجعله هكذا بعد أن بدأ تفكيري في التشكل وان أفهم الأمور الحسية بإدراك جيد ، كان ضوء الشمس ينعكس على المصباح الميت فأظن بأن النور بث فيه من الله ، لم يكن هذا العامود مشاكساً أو واشياً بالكلام كان صريحاً معي منذ البداية ويرفض الحديث لأنه قال لي مرة بأن حديثي كريه وآمالي غير متطلعة وأن وجودي وعدمه سواء ولم يكن يعلم بأني طفل مسكين لا أملك سوى حب الحياة والتشبث بالأوكسجين رغبة في عدم الاختناق ، لم تكن حياتي في طرابلس جيدة وكان موت والدي حلاً سليماً لأرحل لمكان يصلح للبشر ويجعلهم يشربون الماء بدون شوائب ، ويرمون بقية الطعام في سلة المهملات وكأنه لم يعد صالحاً للأكل ! ثلاثة أيام حتى انتهت مراسم التأبين ثم جعلوني في كفن أبيض وحملوني على أول طائرة للرياض حيث تعيش عمتي وزوجها الذي هاجر منذ زمن للبعيد ،!

كنت أبكي وأنا على سلم الطائرة ألوح للريح والشمس لم يكن هناك على الجانب الآخر يبادلني هذا التلويح سوى العامود الذي تحول إلى خردة بعد أن ضاقت بعمال الكهرباء السبل في إصلاحه ، ست سنوات لا أحمل منها سوى الطريق الصحراوي الذي أوصلني للمطار ، وأحاديث جانبيه مع شيء ميت وثلاث خبزات تمكنت من أكلها كاملة و اسمي الذي رافقني حتى الآن وصار وصمة فرح أو عار لا أعرف المهم انه السبب في حملي إليكم ، كنت أظن أن العالم كله يشبه الحي الفقير من طرابلس وكنت أحمل في جيبي فتات الخبز حتى آكله هناك ، تخيلوا فتات الخبز في الرياض ، كم أنا مسكين وعلى نياتكم ترزقون !

لم تكن الرياض جنة الله في أرضه حتى لو كستها الخضرة والإزفلت لو زينتها المباني والطرقات ، لو عمرها الناس أجمعين ، لأنك حينما تضطر للعيش فيها ستحس بتأنيب الضمير لفترة وبعدها سيذهب هذا الضمير لقبره وحيداً، ستحاول أن تدفنه بمعول مكسور ، و تهيل عليه قليلاً من التراب ثم تتركه نصف عارٍ في قبره ، ولن يشم أحد رائحته المتعفنة لأن الدود والعفن منتشران بكثرة ورائحتهما لا تزكم الأنوف ، وما إن تتصالح مع ضميرك حتى تصبح الرياض ضيقة عليك ، ويمكن أن تتناول المخدر أو تحاول الانتحار ، لا شيء بإمكانه أن يخفف هذا العذاب الذي يعيشه المغترب في مدينة الغربة ، كل شيء فيها غريب مدينة واحدة بألف تصنيف ، والناس الذين فيها لا يحبون بعضهم ، يحبون طريق الملك فهد وهو خالٍ من السيارات أكثر من حبهم لمنظر البحر ، يتصرفون وكأن هذه الحياة لا تعني لهم شيئاً ويقضون ربع وقتهم في مركباتهم للتنقل بين مشاوريهم الخاصة ، لم أشاهد في حياتي واحداً منهم يقضي مشاوريه وهو راجل ، والذي لا يملك منهم سيارته الخاصة كأنه مشلول أو أعمى ، باختصار حياتهم مطوية بين الحديد والخرسانة ، حاولت جاهداً أن أساير القدر ، أن أعوض حياة الجوع بالأكل ، لكني اكتشفت مؤخراً بأن الجوع الحقيقي هو جوع المشاعر ، أن تكون وحيداً في قنينة زجاج والسدادة الأسفنجية في يد عدوك يحاصرك فيها ولا يدع لك مجالاً للهرب ، حتى الأكسجين يمرره لك بصعوبة ، وحينما تحاول أن تصرخ تبدأ في الاختناق ، شبعت كثيراً من الأكل وملأت جيوبي من النقود وصارت الأشياء بالنسبة لي بدون طعم ، في الرياض تعززت لدي فكرة أن المال وحده لغة الحياة فهو قادر على جلب كل شيء لك ، تصبح الأشياء بدون قيمة ، سوى أن تقتنيها حتى تكتمل زينتك ، المناظر المخادعة والأشياء التي تبرق من الخارج تختفي لمعتها ما إن تطل عليها من الداخل ، الظلام الذي ينمو خلف المسرح الكبير ، الجفاف والأرق والمرضى النفسيون الذين يختبئون خلف الأقمشة البيضاء ، الألسنة الكاذبة التي تحدثك بحب ، وتغتالك بغيبة ، تعرفت على أشياء رخيصة ، وأناس ماديين يملكون ثروات كبيرة يبددونها على جعل أنفسهم تنزل إلى مستوى رديء أكثر ، لست سوداوياً هناك نقطة بيضاء وحيدة لكنها بعيدة ومعتمة ، و ليست الرياض كلها صورة واحدة هناك نماذج كثيرة ربما تكون جيدة لكن مصيري جعلني متواطئاً مع الخيبة ولم أقدر على كظم كل هذا الغيض فخرجت منها مولياً وجهي إليكم ، حيث البرد ، والثلج والخلاص من البلد الذي لم تقبله نفسي أبداً.

افتراضي سأصنع من غربتي وطناً !


كانت هذه العبارة مرسومة على جدار غرفتي ، ولحن إيراني موشوم على الموسيقى التي يديرها المسجل الرخيص الذي أملكه ، كانت وجهتي الأولى إلى طهران لكن أوراق الهجرة تأخرت كثيراً ، كنت أريد أن أصنع لنفسي هناك ثوباً أسوداً خالصاً وأنتعل حياة الإيرانيين الغريبة ، وشرطتهم الدينية التي تقوم بجولات تفتيش على الملابس الضيقة في الشتاء والمفتوحة في الصيف ، لكن ابن عمي الذي عثرت عليه فجأة وعبر غرفة دردشة على النت كان حلماً ، دارت أحاديثنا الغريبة عاماً ونصف دون أن أعرفه ، حتى أقسمت له أنه يحمل شيئاً مني وبعد أن صرح بإسمه الحقيقي عرفته ابن عمي الذي هاجر وأنا صغير إلى روسيا حيث كان يكره الحر والرطوبة فترك وطنه من أجل مزاجه وأصبح يسير في شوارع موسكو بملابس خفيفة والسماء تعطف على حرارة جسمه الغريبة بالثلج ، ولأنني مثل الفاصلة المنقوطة تأتي لتفسر الكلام الكثير الذي يسبقها يممت وجهي نحو الكرملين ، وبثلاث ورقات وعبارة قصيرة حصلت على إذن بالهجرة إلى موطن الفودكا والنساء الطويلات الجميلات ، كتبت في رسالتي لوزير الهجرة ، أنا لا أملك علماً ينفع بلداً يئن بالعلماء الكثيرين ولا أملك رغبة صادقة في إعمار بلدكم الذي أتمنى أن يكون بلدي ، لكني أملك غربة موحشة في صدري ، ملئها صوت موسكو وهو يتردد على شفتاي ورغبتي القديمة في أن أرتبط بسيدة طولها 190 سم ، وجاءني الرد سريعاً ، بالفيزا التي تخولني لأكون مواطناً شريفاً نزيهاً هناك ، كانت عندي رغبة شديدة في إضافة المقطع ( ـأوف ) إلى أسمي لكن رغبتي تبددت بعد أن أقنعني ابن عمي بأن الأسماء العربية تقوم بمفعول السحر في قلوب الروسيات ، لم أستغرق أكثر من يومين لأرتب أموري ، وأستقل أول طائرة تنقلني إلى وطني الذي اشترى صدقي ، ولم يكذب ماقلته ، جمعت كل أغراضي وأدواتي وذكرياتي في شنطة سفر واحدة لم يزد وزنها عن المسموح به عند غالب الخطوط العالمية ، رفضت أن تكون رحلتي على الخطوط السعودية وفضلت طائرات الروس رغبة في أن يكون أول كأس لي خارج هذا السجن فودكا نقية ، كنت أهرول وأنا على سلم الطائرة ووقفت عند العتبة الأخيرة ، وجلست أفكر هل ألقي تحية أخيرة وأدير رأسي نحو الرياض أم أنسى كل شيء وأدلف بسلام نحو الباب لكن ماء فمي كان ابلغ جواب ، أدرت رأسي وبصقت للمرة الأخيرة دون أن أسب على غير العادة ومضيت نحو حياتي الجديدة ، !

لم تكون روسيا شرسة ولا مطواعة كانت بين الأثنتين مثل الفتاة البغي المتدينة التي ترفض أن تناديها بفتاة ليل وتؤمن بأن هذا قدرها أن تجمع قوتها بالحرام ، وتجد لنفسها مبرراً قوياً يجعل ممارستها قمة النقاء ، حتى ابن عمي أخذته الغربة ونقضت عروبته خيطاً خيطاً حتى أنه لم يحتضنني في المطار ، ولمح لي بأن منزله ضيق وبالكاد يكفي له ولزوجته ، وأخذ يكيل المديح للفنادق التي تتوزع في وسط المدينة ، وبعد سهرة طويلة أخذت حقيبتي ونزلت في أقرب فندق حتى أستطيع تدبر منزلاً جيداً بسعر رخيص ،!

هذا الفندق حيث ألتقيت أول مرة بكم في باره ، وتعرفت عليكم ، كما تعرفت على صديقتي سوفا ، أو التي كانت صديقتي ، التي صفعتني مرة دون أن تلمس خدي ووجهت لي رسالة قوية مثل الرسالة التي تلقاها هرمز ، كسرتني صحيح ، وجعلت مني كومة فشل ، لكنها حولتني إلى رجل قوي يعرف كيف يتعامل مع الحياة ، ولا يؤمن بالناس كلها ، كان الدرس قاسياً مباغتاً لكنه كان واضحاً وبالمجان ، يـ أصدقاء بعض الاناث مثل الليل لا يمكن أن تتنبأ بنجومه ، ولا بغيومه ، التي يمكن أن تكون دخاناً أو ضباباً فتعامل معها على أساس غير واضح ولا تمنحها ثقتك المطلقة ، لأن الأمان بالنسبة لها وسيلة وليست غاية ، تمنحك شعوراً بالراحة والثقة ، ثم تتفاجأ بأنها تنام في الغرفة المجاورة مع أحدهم ، وما إن تغضب في وجهها حتى تحتقرك اكثر لأنك تكتم حريتها ورغبتها في ممارسة الدور الذي تحبه هي ، بعض النساء مثل الأحذية الرخيصة مهما دفعت في سبيل إصلاحها والعناية بها لن تتحول إلى حذاء فخم ومريح ، ويمكن أن تضيق على قدمك بعد أول بقعة ماء تخوضها بها ، أنا لا ألوم سوفا ، ألوم نفسي كثيراً لأني عاملتها على أساس راقي ، وحاولت أن أصنع منها زوجة او أماً صادقة للحياة لكنها ذهبت مع الريح أو أن الريح أخذتها ، المهم أنها الآن تمارس درورها الذي خلقت من أجله ، وتنتظر هي بدورها صفعة كبيرة توقظها من غفلتها حتى إذا بلغت الأربعين وأنفض عنها الناس قائمين قالت ياليتني كنت بنتاً شريفة أو حتى قطعة أثاث في ملجأ للأيتام !

تأقلمت سريعاً بعد أول ليلة لي في الفندق وقررت ألا أتركه ، وعرضت على صاحبه بأن أستلم حساباته وإدارة بعض الشئون الصغيره فيه مثل جلب زجاجات الخمر من السوق وبالفعل وافق هو وكنت مبدعاً في عملي حتى أني اختصرت الكثير من المصاريف وأصبحت أدر عليه ربحاً أكثر وكونت مالاً لا بأس به ، وصرتم أصدقائي وصارت هذه طاولتنا الطيبة التي لا يجلس عليها إلا نحن ، !

النهاية المجيدة ،

الآن صرت صاحب هذا الفندق لكبير ، ومواطناً صالحاً يحمل الكثير لوطنه ، أحفظ السلام الوطني لأمتي ، وأقرأ صفحة السياسية بإستمرار ، وأفكر أن افتح فرعاً من هذا البيت الكبير في طرابلس حيث أحن لعامود الكهرباء ، وفتات الخبر اليابس ، وصوت معمر الذي يصدح في أذني كلما ألقى خطبة أو إقترح حلاً يخلص الأمة من نكباتها !

ونسيت سوفا وتزوجت بـ ليلين ، وأنجبت لي ولدين وبنت ، وبدأت في تدوين سيرتي الطويلة التي سأهديها يوماً للمتحف الوطني في السعودية وليبيا ، وأحث أهلهما على المغادرة والهجرة بأي طريقة كانت فإن مايعيشونه لا يسمى حياة ، والله !

top