logo
وحيداً ألعن أغنياتي !
search
top

الغباء يجلب البلاء..!

بعد أن لفظها الوقت وأستدرجتها السنين وصارت كبيرة جداً على القصص التي تجلب الفرح والسعادة ، والمواعيد المسروقة ، واللحظات المترفة بالحب ، في الحقيقة هي كانت قادرة على ان تعيشها لكنها لم توفق أبداً في إقتناص الفرص التي تشبه أنفال الحرب ، لأنها بليدة من الداخل ، مثل المطر الكثير الذي ينزل في النهار دون أن يكون قادراً على تكوين قوس الالوان ، ودون أن تدري تحولت السيدة إلى دفتر للزوار كل من مرّ عليه وضع توقيعه ومضى دون أن يعود ، الرائحة التي يحملها هذا الدفتر مقززة ونتنة ، ويمكن أن تصيبك بمرض ذات الرئة الذي يعوم في جسدك مثل فيروس دون أن تتمكن من القضاء عليه ، المسكينة لا تعرف أبداً بأن ذكرياتها صارت معلقة على الجدران كلما مرّ عليها أحد بصق ومشى ، العالم كله يعرف بأنها مقرفة ومصابة بالوحشة ، والشخص الوحيد الذي لا يعرف هذا كله هو الشيطان الذي يسكن جسدها ، في الحقيقة انا أشفق عليها جداً لسبب واحد هو أنه من خلال تجربة طويلة ومملة معها إكتشفت ان هناك جانباً إنسانيا فيها عرفه البعض فاستغله فأصبحت مثل البقرة الحلوب كلما إقترب أحدهم من النهاية مدّ يده إلى ضرعها وشرب ، ولأنها لا تستطيع التفكير بسهولة تتوقع بان هذه الأيادي تهتف لها ، لكنها لو حاولت أن تبعد عن الصورة المكثفة لأكتشفت بان الأيدي التي تتلمسها برفق في الظلام هي نفسها الأيدي التي تخط فضائحها على الجدران !

إنها أم سلبت الإيمان من قلبها فسلبها الله نعمة الستر ، حتى صارت أنشودة الذين قرر الشيطان ان يكونوا عبيده !

منتصف العمر !

بالأمس فقط كنت واقفاً في منتصف أيامي وحيداً ، أتوكأ على الحب الذي وهبه الله لي كعزاء أخير في هذه الدنيا ، كانت الرسالة مقتضبة والإهداء بسيطاً لكنه بالنسبة لي معبراً ويحمل في طياته أشياء كثيرة ، أنا على ثقة بأني لن أتخطى سقف الخمسين في العمر ، ليس علواً على الله أو القدر ولكنها أمنية لان الحياة بعد الخمسين تصبح مملة ورتيبة ، والموت أفضل منها بكثير ، كل شيء في جسدك يبدأ بالضمور وحياتك تصبح متعلقة بالآخرين اكثر من أي وقت مضى ، ألوح بالمنديل الأبيض الذي طرزته بالإهداء البسيط وأنا واقف على سلم السادسة والعشرين ، قبل أن يهب الحزن ، كرسالة حميمية بشكل مفجع ، عيد ميلادي المميز جداً سيصبح تأريخاً مؤلماً لي فالحياة رغم سهولتها لكنها متسطلة أحياناً وقاسية ، الموت الذي أدرك محمود درويش ليحمله على النعش وحيداً كان مؤلماً جداً ونص لم يكتمل بعد ، أجزم بأنه كان يلوك في سريرته أحرفاً كثيرة في إنتظار أن يفيق من غيبوبته ليبعثها لي على كتعزية أو تهنئة لا يهم لكنني متأكد بأنه كان سيكتب شيئاً جعل الموت حانقاً عليه هذه المرة وأغتاله دون تردد ، في المرة الأولى كان محمود أقوى وفي هذه المرة كان الموت أمكر ، وأنا بين النهايتين أبعث له في عيد ميلادي وردة وشمعة وإبريقاً فضياً يُجمل طاولته التي كلما فكر بالكتابة إستند إليها ، يضع الوردة في فوهة الإبريق ويسقيها من حرفه ، ويشعل الشمعة لتضيء عتمة الليل الطويل الذي سيقضيه وحيداً في إنتظارنا ، هذا الموت رغم بشاعته ، رغم إقتياده للذين نحبهم دون تردد ، دون رحمة ، إلا أنه يحمل في باطنه ألف رحمة ، فالموت بالنسبة للطائر الأبيض أفضل بكثير من أن يتسخ ريشة أو ينكسر جناحه ويظل بقية حياته محتاجاً لشفقة الآخرين ، درويش ما إن إقترب منه مبضع الجراح حتى أسبل جسده وجعل روحه ترحل للمرة الأخيرة ليس لأن الموت تغلب عليه ولكن لأن قلبه كان أقوى !

top